أبي منصور الماتريدي

70

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بالعتو ، ومعلوم أنها لا تعتو ، ولكن المراد منه ، أي : عتا أهلها عن أمر ربهم ، وقد يجوز أن يكنى بالمكان عن الأهل ، كما قال في آية أخرى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [ يوسف : 82 ] [ يعني : واسأل أهل القرية ] « 1 » وفي هذا دلالة أن ما خرج مخرج الكناية في الحقيقة ، لم يكن كذبا ، وإن كان في ظاهره يرى أنه كذب ؛ ألا ترى إلى قوله : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [ ص : 23 ] ، ومعلوم أنه لم يكن هناك نعجة ، ولكن كناية عن النساء ، فخرج على الصدق في الحقيقة ؛ كأنه قال : إن هذا أخي ، لو كان له تسع وتسعون امرأة ، فكذلك الأول والله أعلم . والعتو : النهاية في الاستكبار ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [ الفرقان : 21 ] . وقوله - عزّ وجل - : فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً : له أوجه من التأويل : أحدها : يقول : فَحاسَبْناها ، أي : بلغوا في الكفر والعتو والاستكبار مبلغا صاروا من أهل الحساب الشديد والعذاب المنكر . أو يجعل ما ذكر الله تعالى من نزول النقمة بالأمم الماضية ؛ لعتوهم واستكبارهم حسابا شديدا لهذه الأمة ؛ ليتذكروا ويتعظوا . أو يكون معناه فَحاسَبْناها أي : سنحاسب حسابا شديدا في الآخرة ، كما [ كان معنى ] « 2 » قوله - تعالى - : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [ المائدة : 116 ] بمعنى : وإذ يقول الله ، فكذلك الأول ، والله أعلم . ووجه نزول هذه الآيات « 3 » : أن يكون له معنيان : أحدهما : تخويف أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم والكفرة من أهل مكة بما نزل بالأمم الخالية حين تركوا اتباع رسلهم والإيمان بهم ، واستكبروا في أنفسهم ، وعتوا لكي ينتهي أهل قريته - عليه السلام - عما هم فيه من الكفر والعتو ، ويحظروا الوقوع فيه في حادث الأوقات . ويحتمل أن يكون هذا تسكينا لقلب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وتهوينا عليه ما يلقى من كفر « 4 » قومه وعصيانهم وعتوهم ، وليعلم ما لقيت الرسل المتقدمة من أممهم حتى بلغ كفرهم واستكبارهم المبلغ الذي وقع اليأس منه عن إيمانهم ، حتى أنزل الله تعالى بهم ما أنزل من

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : قال في . ( 3 ) في ب : الآية . ( 4 ) في أ : أمر .